مقاربة نقديّة في شعر الأوراسيّة

+àϦ+å+ë Ϻ+äϦϼ+ê+äÏ®

  • مدخل :

على هامش ترجمتي لنصوص علمية لصالح أبحاث تقوم بها السيدة الكريمة  سليمة الأوراسية، استلمت منها على هامش الأوراق المعدّة للترجمة، نصين شعريين جميلين، وهما على ما أذكر : “بنت الأوراس” و”معنى الرجولة”. وبما أنّني أنتمي في توجّهي الأدبي إلى المدرسة الانطباعيّة في النّقد، التقطت بسرعة ومضات أعطتني الإحساس بأنّ النصّين لا يخلوان من صوّر شعرية جميلة. وبتساؤل ضمني، وبدون إلحاح، كشفت لي السيدة بذكاء خارق عن “هواية كتابة” كامنة لديها تمارسها على هامش أبحاثها.   فمنيت نفسي بالظفر، واستجديت القدر، وإذا بها تتفهّمني من دون إشارة، وترسل إلي باستحياء ستّة نصوص شعرية، أطلقت عليها منذ أن  اطلعت عليها اسم “الست الحسان” انطلاقا من عددها (ست قصائد) والانطباع الحسن الذي تركته في نفسي من الوهلة الأولى. وبدت لي في وحدتها الموضوعية وانسجامها في التصفيف، وكأنها عقد امرأة في جيد حسن، يتكوّن من ستّ لآلئ مصفّفة، متساوية ف الحجم واللّون، لأنها كلّها تطرق موضوعا واحدا : تعلّق المرأة بالنحلة التي جعلتها ملهمة وصديقة..وأيضا ملاذا من الوحدة والمعاناة.

وبعد قراءة ثانية، تأكدت لي قدرة الباحثة، العالمة على …قرض الشعر أيضا.

وأي شعر !!

 

  • من حيث الموضوع والعاطفة :

نصوص السيدة الأوراسيّة – التي جعتلها الصدفة وحدها في طريقي أو جعلتني في طريقها- ليست خيالا عابرا وإنّما هي عاطفة صادقة نابعة من تجربة امرأة شجاعة، مقدامة، قوية الإرادة، نافذة الشخصية.

ولقد التزمت العالمة الشّاعرة في نصوصها،  بما يسمّى في النّقد الأدبي ب”الوحدة العضوية” بمعنى أنها تناولت في قصائدها الستّة موضوعا واحدا يتمثّل في تعلّقها بالنّحلة إلى درجة الجنون الشعري ؛ لأن الشاعر المجنون هو من يرى الآخرين كذلك لأنهم –فقط- لم يتفهّموا عواطفه. ولربّما سأكون من أوائل من باحت لهم بالسرّ وأزاحت لهم الغطاء عن تجربتها الأدبية… من يدري ؟ فالصدفة تفعل الأشياء ، وقد تفعلها جيّدا ..

فحتّى وإن كان النقّاد يقولون “إنّ أعذب الشعر أكذبه“، فإن السيدة سليمة قلبت المقولة رأسا على عقب، لتجعل “أجمل الشعر أصدقه” وهي مقولة أقرب إلى الواقع لأن الشّعر إن لم يكن حكمة أو رسالة  أو موعظة فهو معاني وأوزان.

ومن المعلوم في النّقد الأدبي، أنّ “الغموض الشعري” محبّب في القريض بقدر ما يكره فيه “الالتباس“. ولقد استطاعت السيدة الأوراسيّة أن تكرّس “الغموض المحبّب في الشعر” في الموضوع وليس في الشكل فقط. فكلّ “خروج عن المألوف” هو إبداع في الشّعر وإتقان للشّاعريّة. ولقد تجسّد الخروج عن المألوف في الموضوع في تعلّق المرأة بالنّحلة التي جعلتها ملهمتها وصديقتها وحبيبتها وسلوى وحدتها و..و…تحاورها وتشتكي إليها.

النّحلة عند العامة حشرة – وإن كانت حشرة مفيدة- وقد لا ينتبه الجاهل لحقيقة النحلة ويخلطها بأي ذبابة في شكلها وحجمها فينفر منها. بل إن كثيرا من النّحل يهلك بسبب المبيدات التي يصنعها الإنسان الأناني البليد  للتخلّص من مخلوقات من غير جنسه، خلقها الله لحكمة !!

إن تتعلّق سيدة بنحلة بهذا المستوى، قد يعدّ خروجا عن المألوف لدى سيدات العصر !

لقد تعوّدت السيدات الأنيقات في القصور وفي الدّور على مرّ الأزمان، أن يتعلّقن بحيوان ما. ومن أشهر الحيوانات المحبّبة لدى النساء الكلاب والقطط والخيول..وحتّى القردة ومخلوقات أخرى قد تكون طيورا أو سلاحف تبادل سيداتها نوعا من العاطفة.

أمّا صديقة سليمة ، فليست كلبة “تنبح الطرّاق عنها”[1] ككلب ميسون بنت بهدل الشهيرة في الأدب العربي،  ولا قطّ كسول ينام في حجرها،  على غرار ربّات القصور المترفات، ولا فرس تُربِّت على ظهرها  لتركبها وتمسح عن سبيبها، ولا ببغاء تشاكسه لتحمله إلى ترديد كلمات بشرية… ولا غير ذلك.. بل إنّها نحلة، أجل نحلة !!.

والنّحلة، كمخلوق عجيب، ليست مؤهّلة لتبادل أي نوع من العاطفة[2]، لا مع الإنسان ولا مع غير الإنسان. فهي إنّما خلقت من أجل العمل ، والعمل وحده..فهي مفطورة على الواجب، لتؤديه ولتموت من أجله، فهي لا تملك الاستعداد ولا الوقت لممارسة عواطف مع الغير..وقد تلسع حتّى صديقتها الأوراسية إن هي حاولت الاقتراب منها أكثر من اللاّزم لدرجة إعاقتها عن أداء عملها.

فالسيدة لم تحبّ النحلة كحشرة وإنما كعاملة. فهي بالنسبة إليها قدوة تتّبع ونداء يستمع ومثل أعلى. فسليمة هي أيضا مفتونة بالعمل، مطبوعة عليه، جعلت من النّحلة رمزا لهذا التّفاني في أداء الواجب. لقد افتتنت العالمة القديرة والأديبة الأريبة، لما درست النحلة نظريا في دروسها، ثم شاهدتها وهي تشتغل تطبيقيا في مهنتها : واكتشفت أن هذه المخلوقة التي لا تعيش إلا حوالي 45 يوما تؤديها في الخدمة –خدمة الآخرين- دون كلل ولا ملل ولا راحة ولا عطلة ولا تكاسل ولا تخاذل ولا غش ولا تأخر عن العمل ولا هف ولا لف، ولا مجاملة لمدير ولا خوفا من رقيب أو حسيب..فهي تعمل من أجل أن يسعد الآخرون: تربّي، تجني، تنظّف، تهوئ، تدافع من أجل المجموعة فتستشهد بدون مجد ، ولا تقام لها النصب التذكارية …فهي في حياتها من تجني الرحيق من الزهر، وتصنع الخلية من شمع تفرزه، وتمتنها بكعبر تجني مادته وتصنعه..وهي من تحضّر الهلام الملكي..لغيرها…دون أن تتجرّأ -ولو عن سرقة جرعة تمتصها أو نطفة تلحسها-، بل تحرص على تقديمه لأخواتها ليكبرن ويخلفنها في العمل..وتقدمه لسيدتها ملكة النحل لتظل صحيحة، قوية، معافاة. لأن عافية المجتمع في عافية الملكة.

فالنّحلة لا تعرف المتعة الحيوانية الشهوانية، لأنّ متعتها تكمن في أداء الواجب. ولا تعرف النّزوة ولا الاستمتاع بالتّزاوج، لأن ذلك من شأن الملكة وحدها، وهو زواج ليس للمتعة ولا للنّزوة، وإنّما للإنجاب فقط لتتواصل الحياة، وأي متعة في زواج يهلك فيه العريس ساعة زفافه ؟ ويمتاز ذكور النّحل الذين خلقوا من أجل مهمّة واحدة بسمعة سيئة هي سمعة الكسل..فالذّكر عند النّحل ليست له أية قوامة على الإناث (كما عند البشر) قد تمنعه مجرد عاملة من دخول العش وهو المجرّد من السّلاح !! (لا يملك شوكة رغم كبر حجمه النسبي) أما عند الأجناس الأخرى، فعادة ما تكون الغلبة للذكر. وأحسن دليل على ذلك الإنسان (سيد الكون)  الذي يعتبر المرأة جنسا هشّا أو “لطيفا” يستحق الحماية والشفقة، بينما تعتبر أوساط مسيحية متطرفة المرأة شيطانا جميلا ليس إلا !! أمّا عند النّحل، فالاعتبار للعمل وليس للشكل ولا للجنس.

هذه هي النّحلة التي شرفها القرآن الكريم، وذكر أنّه يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للنّاس. النّحلة رمز العمل والتفاني في أداء الواجب دون منٍّ ولا مزايدة ولا غرور ولا كبرياء. النحلة ملاذ المرضى من النّاس في كلّ مادّة تنتجها وليس العسل فقط.

هل السيدة الفاضلة المفتونة بالنّحل هي نحلة في حدّ ذاتها ؟

أجل، هي نحلة، لكنّها نحلة بشريّة : يكفي تأمّل سعيها الحثيث لتتأكّد المقارنة. فهي التي تسعى بكلّ جدّ وكدّ في سبيل البحث، والكتابة، والعرض، والسفر إلى الدّاخل، والسفر إلى الخارج، والتقاط كلّ ما يمكن أن يخدم رسالتها العلميّة من أجل تقديم عمل يستفاد منه الآخرون ويسعدهم، تماما كما تفعل النحلة في غدوّها ورواحها . يغدو النحل كلّ لحظة خماصا ويعود بطانا من أجل إتمام مهمّة..للغير.

لكن، وإن كانت النحلة الحشرة تعمل، فإنّ النّحلة المرأة تعمل وتحسّ في آن واحد : وهذا الفرق الشّاسع بين الاثنين.

النحلة العاملة معفاة من التّفكير فهي تعمل بالفطرة.

أما المرأة العاملة، فهي بالدرجة الأولى إنسان رهيف الإحساس، رقيق الشّعور، شديد التأثّر. وكلّما ازداد الإنسان علما وعقلا كلّما ازداد همّا وشعورا بالمسؤولية، لأن البليد، الغبي هو وحده من لا يشعر بما حوله.

إن عالمتنا الشّاعرة تعمل كالنّحلة لكنها تحس كالمرأة. وإلا كيف نفسّر قولها عن صديقتها :

تؤنسني في وحدتي

تخفّف عنّي ألم وحشتي

تملأ عليّ بيتي  .. فتسكّن ألمي

وغياب أهلي وأحبّتي

فعن أي وحدة تتحدّث ؟ ولأيّ وحشة تريد التّخفيف ؟ وما هو الألم المطلوب تسكينه ؟ ومن هم الغائبون من الأهل …والأحبّة ؟ وهل هو غياب قسري محتوم أم غياب فرضته الخطوب والمحن ؟ وعن أيّ مصدر جفاء تشير؟ وعن أي غربة تتحدّث ؟

وأكثر من ذلك كلّه  لمن يوجّه هذا الخطاب؟ ولمن الشّكوى ؟ من القادر على تسكين المعاناة ؟

النحلة هنا مجرّد سلوى مؤنسة،  لا يمكنها صنع الفرج، اللهمّ إلاّ شغل المحبوبة إلى حين تعاودها الهواجس والخطوب.

وممّا يؤكّد بأن السعادة بالسلوى مؤقت قول الشاعرة نفسها :

تمدّني بالصّبر ..

تهدّئ نفسي وتمسح دمعي..

جرح الزّمن..

ألم الذكريات..

كلّها إشارات واضحة تصدر عن إحساس عميق يصدر عن روح امرأة شجاعة تعيش في مجتمع رجولي طاغ، وليست في منأى عن المشاكل ، ككلّ النّاس.

فعندما تصل إلى القول :

أتوسّل معك خالقي.. ليلهمني الصّبر ..

يتّضح للقارئ عنوان الشّكوى الموجّهة للخالق ملهم الصّبر ومفرّج الكروب.

ومن خلال ما سبق يتبيّن لنا أن نحلتنا البشرية تعمل بجدّ، لكنّها تفكّر بقوّة أيضا. تسعد بالعمل، لكنّها ليست في منأى عن متاعب الحياة أيضا..

 

 

  • من حيث الجانب الفنّي :

يكفينا قراء الفقرة الآتية من قصيدة “النحلة مدرستي” لنقف على جوانب فنيّة رائعة  يمكن أن نسقطها على باقي القصائد :

أرتني حقيقة الكون..نور الشمس..حبّات الطّلع

وتقنية فهم الحياة

علّمتني مسك القلم ..إثارة الرّوح ..زرع الفن

وصياغة أجمل العبارات

لقّنتني روح المعاني..معنى القوافي..سرّ الألوان

وكيف أتقن فنّ تصفيف الصّفحات

الخ..الخ الخ..

إلى أن تقول :                     فلا تقولوا بعد ذلك أنّي جاهلة..

ولا أستحقّ أن أحاضر في النّدوات

 

فنلمس الصّورة الشعرية الرّاقية في : علّمتني مسك القلم ..زرع الفن..معنى القوافي ..وسر الألوان

كما نلمس الانسجام الصوتي، وتناغم الموسيقى في :

مدى السّنوات …تصميم الصّفحات…في النّدوات

فزيادة على انسجام العبارات، وتناغم الوحدات، جاءت التّراكيب على شاكلة  تشاكل نحوي منسجم، وظّفت فيه الشّاعرة جمع المؤنّث السّالم. (ات)

وفيما سبق نلمس سحر البيان، وعمق المعاني، وغدق الألفاظ .

كما نلمس التضاد في :

صدّقوني أو لا تصدّقوني…حدّثوني أو لا تحدّثوني ، حيث اكتفت الشّاعرة بقلب الإثبات إلى نفي ب”لا” النّافية الجازمة، وإنّما النّون  للوقاية والياء ضمير متصل في محل نصب مفعول به؛ وهو تركيب حسن يفي بالمقصود، دون البحث عن التضاد بواسطة الألفاظ. والتضاد بهذا الشكل فيه ما فيه من البلاغة والدّيباج وحسن الصياغة. ونجد ذلك في القرآن الكريم، كقوله تعالى : “اعتذروا أو لا تعتذروا”

أمّا الإطناب، فيظهر بكثرة في قصيدة “النّحلة صديقتي” وجاء على شكل جمل اسميّة مصدّرة ب” هي” ضمير الغائب المؤنث الذي يعود على الصديقة “النحلة” وينتمي نحويا إلى ضمائر الرفع البارزة الواقعة دوما مبتدأ. ورغم تكرار الضمير –لغاية في نفس الشاعرة- فإن الجمل سلمت من مساوئ التّكرار الممل والحشو الزّائد، بل إنّ الأطناب جاء معبّرا عن إحساس صادق، ترك المتلقي، يتقبّل تكرار القالب سبعة وعشرين مرّة دون أن تصطكّ منه أذن القارئ ولا تملّه تطلعاته إلى ما أرادت الشّاعرة أن تصل إليه..

فالشاعرة  سليمة الأوراسية – العالمة العاملة – هي مثال يقتدى به في العمل والتفاني في البحث ، ولكنّها امرأة؛  أي طفلة كبيرة تبكي وتحسّ وتعاني كباقي بنات جنسها، تجد السلوى في معايشتها للنحل، ولكنّها تحتاج أيضا إلى سند ودعم معنوي من غيرها، في غياب الأهل والأحبّة.

 

  • من حيث الشّكل :

في هندسة القصائد وشكلها، خرجت السيدة الأوراسية عن “المألوف الشعري“، فهي لم تلتزم ببحر تقليدي معيّن، وفي ذلك تمرّد على قيود الخليل بن أحمد، وعن الشّروط التي وضعها المرزوقي لعمود الشعر..وهي أيضا لم تعتمد نظام الشطر الواحد الذي رسّخته السيدة “نازك الملائكة” ثم “بدر شاكر السياب” في عصر النهضة، بل اعتمدت ما دعا إليه “محمّد المغوط” مؤسس القصيدة العربية النثرية  المعاصرة، والتي تعتمد على الموسيقى الدّاخلية بدلا من الوزن والقافيّة التقليديتين. ونلمس ملامح الموسيقى الداخلية في شعر الأوراسية في مظاهر عدّة، منها : التّشاكل الصّوتي والتّضاد والنّبر والإطناب.

 

من ناحيّة الأسلوب، غلب الأسلوب الخبري على الأسلوب الإنشائي في قصائدها نظرا للطّابع التقريري التي أرادت به الشّاعرة التّعبير عن مشاعرها الصّادقة التي تريد بها البوح إلى القارئ (المتلقي). ولم تستخدم الإنشاء إلا نادرا، كاستعمالها للأمر في موضعين  في قولها :

صدّقوني..حدّثوني

انتظروني كلّ صباح

أو استخدامها للنّهي في موضعين :

فلا تقولوا إنّي جاهلة..

ولا تحسبوا أنني وحيدة…

ولم تستخدم الاستفهام إلا مرّة  واحدة في قولها :

كيف تطنّون أنها ليست ملهمتي ؟

وباختصار، فإن أسلوب الخبر، ورد في مواضع قليلة مرتديّا ثوب الأمر والنهي والاستفهام، وما عدا ذلك فباقي أسلوب القصائد خبري تقريري، وهو ما يتوافق مع طبيعة الموضوع ونفسية الشّاعرة التي تريد أن توصل رسالة واضحة للقارئ.

 

أمّا الجمل التي اعتمدتها الشّاعرة في قصائدها فهي في جلّها جمل فعليّة. ويقول علماء اللغة أن الجمل الفعلية دليل حركة ونشاط واضطراب أيضا، بعكس الجمل الاسمية (القليلة في نصوص الأوراسية) التي هي دليل استقرار.  ومعنى ذلك أنّ الشاعرة لا تزال في طور نشاط مفرط، تسابق الزّمن من أجل تحقيق الكثير من الانجازات في وقت قياسي، تلف كلّ ما من شأنه أن يخدم فكرتها ويساعدها[3] على إنجاز ما تصبو إليه.

 

  • الأخطاء الإملائية والنحوية :

قد لا أعدّها أخطاء وإنّما أسمّيها هفوات، قد يقع فيها كلّ من يكتب الشّعر.

أ) الإملائية :

1) في قصيدة “النحلة صديقتي ” كلمة رجاءً  تكتب بدون ألف بعد الهمزة مثل كل كلمة تنتهي بهمزة على السطر بعد ألف مدّ،  مثل : هباء ، فناء ، سماء ، دواء الغ…

2) هي دومًا منبعُ فكرتي  بدلا من فكرتني (فيها نون زائدة)

2) في قصيدة “مهلا حبيبتي” سأتلو معك سورة الرّحمن ، فالسورة القرآنية تكتب بالسين وليس بالصّاد، لأن السورة لا تحمل معنى الصورة .

ب) النحويّة :

1) في قصيدة “النحلة ملهمتي ” أنتم أحرارٌ …لأن الجملة متكونة من مبتدإ وخبر يستدعيان الرفع لخلوّ  الجملة من النواسخ، فلماذا نصبت أحرارًا وهي خبر مرفوع ؟

2) في قصيدة “النحلة صديقتي ” تكرّر عدّة مرات نصب الخبر مع أن الجمل خالية من النواسخ في أقوالك :

هي قولاً ، هي همسًا، هي حسّا ، هي روحًا، هي إلهامًا ، هي إعجابًا ، هي رمزًا الخ ..نصبت الخبر وهو يستدعي الرّفع.

لأن الضمائر : هي، هو ، أنا، نحن، أنتم ، أنتن ، هم ، هن تسمى ضمائر الرّفع البارزة وتعرب دائما في محلّ رفع مبتدأ وتستدعي خبرا مرفوعا أيضا، فنقول : هي قولٌ ، هي حسٌ ، هي روحٌ ، هي إلهامٌ ، هي إعجابٌ ، هي رمزٌ الخ…

أمّا قولك في القصيدة نفسها : هي أصلا سرُّ موهبتي   و   هي دوما منبعُ فكرتي فصحيحة، لأن خبر هي في الجملة الأولى هو” سرُّ” وفي الثانية هو” منبعُ” بينما تعرب “دوما” ظرفا منصوب على الظرفية. وبالتالي فإن هاتين الجملتين صحيحتان، أما باقي الجمل المصدّرة ب “هي” فلا بدّ من رفع الخبر.

الجملة الأولى (هي فعلاً)   مبتورة من عنصر أي من الخبر : فإمّا أن توضّحي (هي فعلاً ..ماذا ؟  أو تقولي هي فعلٌ)

ملاحظة : في البلدان المغاربية يستحسن الإدغام على الإظهار فنقول أَلا بدلا من أن لا  إلا إذا كنت من المشارقة الذين يعملون بالإظهار. (لكن لا يعتبر ذلك خطأ، وإنّما يستحسن الإدغام كما في قراءة ورش عن نافع المدني نفعنا الله بعلمه )

ولقد تكررّ الإظهار بدلا من الإدغام  في قولك : أن لا تفارقيني ، أن لا تتركيني ، أن لا تجافيني ..إلخ

بدلا من ألاّ تفارقيني، ألاّ تتركيني ، ألاّ تجافيني ..إلخ

ويقول علماء البيان إنّه كلّما نقصت كلمة أو حرف دون الإخلال بالمعنى ، ازدادت اللّغة بلاغة.

 

الخلاصة : السيدة الأوراسية الباحثة الكبيرة في الميدان الفلاحي النباتي والحيواني معا عالمة مرموقة وكاتبة قديرة ولكنّها شاعرة فحلة أيضا. ويمكن أن نستشف من نصوصها ومضات مشفرة في بعض الأحيان ورسائل واضحة في بعض الأحيان الأخرى. وتدعونا أفكارها إلى :

  • التفكير في ملكوت الخالق
  • الاقتداء بالنحل في العمل والإنتاج
  • المجتمعات البشرية ( مثل مجتمعات النحل) تبنى بالعلم والعمل وليس بالكسل والكلام الفارغ.
  • العالم الباحث هو قبل كلّ شيء إنسان حسّاس رهيف الشعور خاصّة إذا كان امرأة
  • كلّ امرئ عاقل لا يخلو من مشاكل في الحياة
  • العمل المفيد قد يكون سلوى عن الخطوب التي لا ينجو منها أي شخص.
  • الدعم المعنوي ضروري لكلّ امرأة تعمل، لتعوّض به معاناتها الدّاخليّة التي ترسلها على شكل شكوى مبطّنة أو مشفّرة أو علنيّة.  لأن الإنسان ليس نحلة، فهو جسم وروح يفرح ويحزن، يحبّ ويكره، يسعد ويحزن.

 

وفي رأيي، يمكن للسيدة الفاضلة والشاعرة القدير، السيدة الأوراسية أن تلقي قصائدها من أعلى المنابر المحليّة والعربية والدّولية دون وجل وبدون عقدة..فقط وددت لو  كنت اطّلعت على الأداء، لأن الأداء هو نصف القصيدة. وأعني بالأداء الحركات والصّوت والقدرة في التحكّم في النّبر، ورفع الصوت أو خفضه عند الضرورة بحسب ما يقتضي المعنى.

باختصار لك تشجيعاتي الخالصة.

 

 

 

م.ع . حرزالله،   لتسع خلون من رمضان المبارك.

 

[1]  ميسون بنت بهدل امرأة بدوية جميلة جدا تزوجها معاوية بن أبي سفيان وأسكنها قصرا بعد أن كانت تسكن خيمة، ووفر لها كلّ أسباب العيش كملكة، لكنه سمعها مرة تقول وهي تتمنى لو أنها تزوجت براعي من بني عمّها في البادية :

 

وكلب يـنـبح الطـرّاق عـنّي      أحب إلـي مـن قــط ألــيف

ولبس عـباءة وتـقـر عيـني       أحب إلي من لبس الشفوف

وخِرْقٍ من بني عمّي نحيف      أحب إلي من عـلج عنيف

 

فغضب معاوية لما سمعها تصفه بالعلج (بقر الوحش) فقال لها: “كنت فبنت ” أي أنك طالق . فردت عليه: ” ما سررنا إذ كنّا ولا ندمنا إذ بنّا ”

[2]  حتى وإن أثبتت تجارب أن النحل يتفاعل مع موسيقى معينة وله رد فعل ضد بعض الذبذبات الهرتزية والصعقات الكهربائية، لكنه رد فعل غريزي.

 

[3]  حتى ولو كان مترجما بائسا.

عن الكاتب

دار الاوراسية للنشر و الطباعة ، مركز الاوراسية للتدريب و التطوير ، الجزائر - برج البحري